القرطبي

308

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قال ابن عطية : فيشبه على القول الواحد أنه رأى الغنم تقاوم الغلة التي أفسدت . وعلى القول الثاني رآها تقاوم الحرث والغلة ، فلما خرج الخصمان على سليمان وكان يجلس على الباب الذي يخرج منه الخصوم ، وكانوا يدخلون إلى داود من باب آخر فقال : بم قضى بينكما نبي الله داود ؟ فقالا : قضى بالغنم لصاحب الحرث : فقال لعل الحكم غير هذا انصرفا معي : فأتى أباه فقال : يا نبي الله أنك حكمت بكذا وكذا وإني رأيت ما هو أرفق بالجميع . قال : وما هو ؟ قال : ينبغي أن تدفع الغنم إلى صاحب الحرث فينتفع بألبانها وسمونها وأصوافها ، وتدفع الحرث إلى صاحب الغنم ليقوم عليه ، فإذا عاد الزرع إلى حاله التي أصابته الغنم [ فيه ] ( 1 ) في السنة المقبلة ، رد كل واحد منهما ماله إلى صاحبه . فقال داود : وفقت يا بني لا يقطع الله فهمك . وقضى بما قضى به سليمان ، قال معناه ابن مسعود ومجاهد وغيرهما . قال الكلبي : قوم داود الغنم والكرم الذي أفسدته الغنم فكانت القيمتان سواء ، فدفع الغنم إلى صاحب الكرم . وهكذا قال النحاس ، قال : إنما قضى بالغنم لصاحب الحرث ، لان ثمنها كان قريبا منه . وأما في حكم سليمان فقد قيل : كانت قيمة ما نال من الغنم وقيمة ما أفسدت الغنم سواء أيضا . الخامسة - ( وكلا آتينا حكما وعلما ) تأول قوم أن داود عليه السلام لم يخطئ في هذه النازلة ، بل فيها أوتي الحكم والعلم . وحملوا قوله : " ففهمناها سليمان " على أنه فضيلة له على داود وفضيلته راجعة إلى داود ، والوالد تسره زيادة ولده عليه . وقالت فرقة : بل لأنه لم يصب العين المطلوبة في هذه النازلة ، وإنما مدحه الله بأن له حكما وعلما يرجع إليه في غير هذه النازلة . وأما في هذه فأصاب سليمان وأخطأ داود عليهما الصلاة والسلام ، ولا يمتنع وجود الغلط والخطأ من الأنبياء كوجوده من غيرهم ، لكن لا يقرون عليه ، وإن أقر عليه غيرهم . ولما هدم الوليد كنيسة دمشق كتب إليه ملك الروم : إنك هدمت الكنيسة التي رأى أبوك تركها ، فإن كنت مصيبا فقد أخطأ أبوك ، وإن كان أبوك مصيبا فقد أخطأت أنت ، فأجابه الوليد " وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين . ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما " . وقال قوم كان داود وسليمان - عليهما السلام - نبيين يقضيان بما يوحى إليهما ، فحكم داود بوحي ،

--> ( 1 ) كذا في ك . وفي ب وج وز وط وى : عليه .